عبد القادر الجيلاني

82

فتوح الغيب

--> - وقد قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 217 ] . يقول سبحانه وتعالى : وإن كان قتل النفوس فيه شرّ ، فالفتنة الحاصلة بالكفر وظهور أهله أعظم من ذلك ، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما . وكذلك الذي يدع ذبح الحيوان أو يرى أن في ذبحه ظلما له هو جاهل ، فإن هذا الحيوان لا بدّ أن يموت ، فإذا قتل لمنفعة الآدميين وحاجتهم كان خيرا من أن يموت موتا لا ينتفع به أحد ، والآدمي أكمل منه ، ولا تتم مصلحته إلا باستعمال الحيوان في الأكل والركوب ، ونحو ذلك . لكن ما لا يحتاج إليه من تعذيبه نهى اللّه عنه ، كصبر البهائم وذبحها في غير الحلق واللبة مع القدرة على ذلك ، وأوجب اللّه الإحسان بحسب الإمكان فيما أباحه من القتل والذبح ، كما في صحيح مسلم [ 1955 ] عن شدّاد بن أوس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة ، وليحدّ أحدكم شفرته ، وليريح ذبيحته » . وهؤلاء الذين زهدوا في الإرادات حتّى فيما يحبه اللّه ورسوله من الإرادات بإزائهم طائفتان : طائفة رغبت فيما كره اللّه ورسوله الرغبة فيه من الكفر والفسوق والعصيان . وطائفة رغبت فيما أمر اللّه ورسوله ، لكن لهوى أنفسهم لا لعبادة اللّه تعالى ، وهؤلاء الذين يأتون بصور الطاعات مع فساد النيات ، كما في الصحيحين [ خ ( 123 ) وم ( 1904 ) ] عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قيل له : يا رسول اللّه ، الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حميّة ، ويقاتل رياء ، فأيّ ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فهو في سبيل اللّه » . قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] . وهؤلاء أهل إرادات فاسدة مذمومة ، فهم مع تركهم الواجب فعلوا المحرم ، وهم يشبهون اليهود ، كما يشبه أولئك النصارى . قال تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ [ آل عمران : 112 ] . وقال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ [ الأعراف : 146 ] . وقال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الأعراف : 175 - 176 ] . فهؤلاء يتّبعون أهواءهم غيّا مع العلم بالحق ، وأولئك يتّبعون أهواءهم مع الضلال والجهل بالحق ، كما قال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] . وكلا الطائفتين تاركة ما أمر اللّه ورسوله به من الإرادات ، والأعمال الصالحة ، مرتكبة لما نهى اللّه